تتقدّم المفاوضات العُمانية-الإيرانية إلى مراحلها الأخيرة، ويؤكّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي أنّ الجانبين باتا قريبين من اتفاق حول إدارة الملاحة في مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه، ومن دون أدنى تناقض في نظر طهران، يُشدّد على أنّ هذا القرب لا يعني أنّ المضيق سيُفتَح.
ومن السهل أن يُقرأ هذا الموقف بوصفه مماطلة. لكنّه في الحقيقة إفصاحٌ دقيق عن بنية الأزمة: ثمّة ملفّان لا ملفّ واحد. الأوّل تقنيّ يخصّ مسارات العبور وترتيباتها، وهو الذي تتولّاه مسقط وتوشك أن تُنجزه. والثاني سياسيّ يخصّ الحرب نفسها والحصار والعقوبات، وهو الذي لم يُفتح بعد. وقد فصلت طهران بينهما بوعي، لتحتفظ بورقة الإغلاق سليمةً بعد أن تكون قد استوفت الشرعية التقنية لإدارتها.
رقمٌ يختصر خمسة أشهر
في الرابع والخامس والسادس من أغسطس، عبر المضيق ما بين ثماني سفن وخمس عشرة سفينة يومياً، وفق منصّة “مارين ترافيك” لتتبّع الملاحة. وكان المعدّل قبل الحرب يناهز مئةً وثلاثين. أي أنّ ما يمرّ اليوم لا يتجاوز عُشر ما كان يمرّ، في ممرٍّ كان يحمل نحو خُمس النفط المنقول بحراً في العالم.
هذا الرقم وحده يفسّر لماذا يوصَف ما يجري بأنّه أضخم اضطراب في إمدادات الطاقة يُسجَّل في التاريخ الحديث. وقد ارتفعت أسعار الخام مجدّداً مطلع هذا الأسبوع مع تصلّب المواقف، وسبق للبنزين في الولايات المتحدة أن تجاوز عتبة الأربعة دولارات للغالون — وهي عتبة نفسية أكثر منها اقتصادية، لكنّها في السياسة الأمريكية أثقل من كثير من الأرقام الكبرى.
ورطة الرئيس الأمريكي
منذ انطلاق العمليات في الثامن والعشرين من فبراير، رُفعت أهدافٌ معلنة عالية السقف: تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية، وإنهاء القدرة البحرية، وإعادة فتح الممرّ. وبعد أكثر من خمسة أشهر، وحملة جوية واسعة، وحصار بحري على الموانئ الإيرانية، واغتيال قيادات في الصفّ الأوّل — ما زال المضيق مغلقاً.
والأهمّ من ذلك ما قاله دونالد ترامب بنفسه هذا الأسبوع: إنّ واشنطن تفاوض طهران “بنصف تفاوض”، وإنّها ستنتظر تراكم الضغط الاقتصادي على إيران. وهي جملة تستحقّ التوقّف عندها، لأنّها إقرارٌ ضمنيّ بانتقال من منطق الحسم إلى منطق الاستنزاف. فمن يملك حلّاً عسكرياً لا ينتظر أن ينضج الاقتصاد، ومن يملك حلّاً تفاوضياً لا يفاوض نصف تفاوض.
ويأتي هذا في توقيتٍ بالغ الحساسية. فالانتخابات النصفية في نوفمبر تقترب، والاستطلاعات لم تمنح الرئيس في أيّ لحظة تأييداً شعبياً واسعاً لهذه الحرب؛ فقد أظهر استطلاع أُجري في أيامها الأولى أنّ أمريكياً واحداً من كلّ أربعة أيّد الضربات، وأنّ نحو نصف المستطلَعين يرون رئيسهم مفرطاً في الميل إلى استعمال القوّة. وحين تجتمع حربٌ غير محسومة مع أسعار وقودٍ مرتفعة قبل ثلاثة أشهر من الاقتراع، تصبح كلّ خيارات الرئيس مكلفة: التصعيد يرفع الأسعار ويطيل الحرب، والانسحاب يبدو هزيمة، والانتظار يستهلك الوقت الذي لا يملك منه فائضاً.
حساب طهران
في المقابل، لا تتصرّف إيران كطرفٍ يسعى إلى استعادة ما كان، بل كطرفٍ يسعى إلى تثبيت واقعٍ جديد. ففي مايو الماضي أنشأت ما سمّته “هيئة مضيق الخليج الفارسي”، وأعلنت أنّ لا سفينة تعبر من دون تصريح صادر عنها. وقال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف صراحةً إنّ إدارة المضيق لن تعود أبداً إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
وهذه ليست لغة تفاوض على وقف إطلاق نار، بل لغة تفاوض على تغيير قواعد ممرّ دولي. ومن هنا يصبح مفهوماً لماذا تُصرّ طهران على فصل الاتفاق التقني عن الفتح الفعلي: فالاتفاق مع عُمان يمنحها اعترافاً عملياً بدورٍ إداريّ في المضيق، بينما يبقى الفتح ورقةً تُصرَف في ملفّ آخر، ثمنها المعلَن رفعُ الحصار عن موانئها، وتخفيف العقوبات، وتعويضات عن الحرب.
ومن الإنصاف القول إنّ هذا الموقف ليس بلا كلفة على طهران. فاقتصادها يرزح تحت حصارٍ بحري وعقوبات، وقيادتها تعرّضت لضربات موجعة في أعلى هرمها، وميناؤها الذي لا يصدّر لا يختلف كثيراً عن مضيقٍ لا يُعبَر. غير أنّ الكلفة شيء والمهلة شيء آخر — وهنا يكمن جوهر المسألة.
اللامتناظر الحقيقي: الوقت
يجري الحديث عادةً عن اختلال ميزان القوى بين واشنطن وطهران، وهو اختلال حقيقي في العتاد والتكنولوجيا وحجم الاقتصاد. لكنّ الاختلال الأشدّ أثراً في هذا الملفّ ليس في القوّة، بل في بنية الزمن السياسي لدى كلٍّ منهما.
فالرئيس الأمريكي يعمل داخل تقويمٍ ثابت ومعلَن: نوفمبر موعدٌ لا يُؤجَّل، وسعر الغالون يُنشَر يومياً، والناخب يحاسب على الملموس لا على المُضمَر. أمّا النظام الإيراني فيعمل داخل تقويمٍ مطّاط، لا يُقاس بموعد اقتراع، ويملك من أدوات امتصاص الكلفة الاجتماعية ما لا يملكه نظام انتخابي. وهذا لا يجعله أقوى، لكنّه يجعله أقدر على الانتظار.
وقد التقط نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد هذه النقطة حين قال إنّ واشنطن أدركت عملياً أن لا حلّ عسكرياً لفتح المضيق. وهو تصريحٌ يجب أن يُقرأ بوصفه موقفاً إيرانياً لا حقيقةً محايدة — فالدعاية جزء من هذه الحرب أيضاً. غير أنّ ما يمنحه ثقلاً هو أنّ الرئيس الأمريكي قال، بصيغته الخاصة وفي اليوم نفسه تقريباً، ما يقارب المعنى ذاته.
من يدفع الفاتورة؟
في الأثناء، تدفع دول المنطقة كلفةً لم تختَرها. فالسفينة التي استُهدفت في الثامن من أغسطس مملوكة لشركة بترول أبوظبي الوطنية، أي أنّ الضرر يقع على طرفٍ خليجي لا على أطراف الحرب. وتقوم سلطنة عُمان بدور الوسيط بينما يمرّ المضيق في مياهها هي أيضاً. وتتحمّل اقتصادات الخليج، ومن ورائها اقتصادات آسيا والجنوب عموماً، فاتورة اضطرابٍ في الطاقة لم تشارك في صنع أسبابه.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألّا تغيب عن القارئ العربي: يدور الصراع على ممرٍّ عربيّ-إيرانيّ مشترك، وتُدار المفاوضات بين واشنطن وطهران عبر وسيط، بينما تبقى الأطراف الأكثر تضرّراً هي الأقلّ حضوراً على الطاولة.
خلاصة
الأرجح أن يُبرَم اتفاق عُماني-إيراني حول المسارات في وقتٍ قريب، وأن يُقدَّم بوصفه اختراقاً. وسيكون من الخطأ قراءته كذلك. فالاتفاق يُنظّم ما تبقّى من ملاحة، ولا يفتح ممرّاً؛ ويمنح طهران غطاءً إدارياً، ولا ينزع عنها ورقة الضغط.
أمّا الفتح الفعلي فمرهون بملفٍّ لم يُفتح بعد، شرطُه أن يقدّم أحد الطرفين تنازلاً يراه اليوم مستحيلاً: أن ترفع واشنطن الحصار وتدفع ثمناً سياسياً قبل انتخابات، أو أن تتخلّى طهران عن الورقة الوحيدة التي أعادت إليها التوازن بعد حربٍ خسرت فيها الكثير.
وبين هذين المستحيلَين، يبقى المضيق مغلقاً — لا لأنّ أحداً يريد ذلك، بل لأنّ كلّ طرفٍ يراهن على أنّ الآخر سيتعب أوّلاً.