هل يُفتح مضيق هرمز؟ وساطة عُمانية وتفاوض غامض بين واشنطن وطهران
ما الذي نعرفه فعلًا عن مسار إعادة فتح المضيق؟
بعد أشهر من الجمود الذي أبقى مضيق هرمز شبه مغلق أمام الملاحة الدولية، ظهرت في الأيام الأخيرة إشارات إلى تحرّكٍ دبلوماسيّ لم يتّضح مساره بعد. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ مفاوضات ستنطلق لإعادة فتح المضيق، مؤكّدًا أنّه أرجأ ضربة عسكرية واسعة كان قد خطّط لها بعد أن بلغه أنّ “إطارًا” لتسوية قد جرى التوصّل إليه. وتتحدّث تقارير صحفية عن مسارين متوازيين على الأقلّ: وساطة عُمانية-إيرانية لإدارة الملاحة في المضيق، ومذكّرة تفاهم يُشار إليها بـ”مذكّرة إسلام آباد” جرى التوصّل إليها بمشاركة قطر وباكستان، من دون إسرائيل. غير أنّ هذه المعطيات، على أهميّتها، تظلّ في خانة التصريحات والتسريبات، لا الاتفاقات الموقّعة.
ما الذي نعرفه فعلًا، وما الذي لا نعرفه؟
من المهمّ، قبل أيّ تحليل، أن نفصل بوضوح بين المؤكَّد والمُفترَض. فحتى ساعة كتابة هذه السطور، لم يُوقَّع أيّ اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران، ولم تُعلَن رسميًّا محتويات المفاوضات الجارية بين سلطنة عُمان وإيران. كلّ ما هو متاح لا يتجاوز تصريحاتٍ لمسؤولين، وتقاريرَ إعلامية يصعب التحقّق من تفاصيلها. أمّا الأسئلة الجوهرية — وهي بالضبط ما يهمّ القارئ العربي — فما زالت بلا أجوبة: هل ستُرفع العقوبات الأمريكية عن إيران؟ وهل سيُرفع الحصار البحري عن موانئها؟ وما الثمن السياسي والاقتصادي الذي سيُطلب من طهران في المقابل؟ لا شيء من هذا مؤكَّد، والحديث عن “فتحٍ وشيك” للمضيق سابق لأوانه.
هذا التحفّظ ليس تهرّبًا من التحليل، بل هو جوهره. ففي أزمات من هذا النوع، كثيرًا ما تتقدّم التصريحات على الوقائع، وتُطلَق إشارات التفاؤل لأغراض تفاوضية أو داخلية، قبل أن ينهار كلّ شيء عند أوّل تفصيل خلافيّ. ومن ثمّ فإنّ القراءة الرصينة تقتضي التعامل مع ما يُعلَن بوصفه احتمالًا قيد التبلور، لا نتيجةً محسومة.
لماذا عُمان تحديدًا؟
اضطلاع مسقط بدور الوسيط ليس مفاجئًا لمن يتابع المنطقة. فسلطنة عُمان تحتفظ منذ عقود بموقع الوسيط الهادئ بين إيران والغرب، وقد سبق لها أن مهّدت لقنوات تفاوض حسّاسة في ملفّات سابقة. موقعها الجغرافي على الضفّة الجنوبية لمضيق هرمز، وعلاقاتها المتوازنة مع طهران وواشنطن ودول الخليج، يجعلانها طرفًا مقبولًا لدى الجميع. غير أنّ الوساطة شيء، والاتفاق شيء آخر؛ فنجاح مسقط في تقريب وجهات النظر لا يعني بالضرورة أنّ الطرفين قد حسما خلافاتهما العميقة حول العقوبات والملاحة والضمانات الأمنية.
من يملك أوراق القوة على الطاولة؟
يجادل فريق من المراقبين بأنّ إيران تدخل التفاوض من موقع أقوى ممّا يُظنّ. فإبقاء المضيق مغلقًا يمنحها ورقة ضغط مباشرة على الاقتصاد العالمي، وعلى إدارة أمريكية تقترب من استحقاق انتخابيّ حسّاس. وبحسب هذا الطرح، قد تسعى طهران إلى انتزاع تنازلات جوهرية — رفع العقوبات أو الحصار مقابل إعادة فتح المضيق — بدل أن تقبل بتسوية شكلية.
في المقابل، يرى آخرون أنّ الوقت ليس حليفًا كاملًا لطهران. فاقتصادها ينوء تحت وطأة الحصار، وصادراتها النفطية مهدَّدة، وكلفة استمرار الأزمة ترتفع يومًا بعد يوم. ومن هذه الزاوية، قد يكون القبول بتسوية متوازنة أقلّ ضررًا من مقامرة مفتوحة على استنزاف الخصم. وبين القراءتين، تبقى النتيجة رهينة تفاصيل لم تُكشف بعد.
الأسواق تتنفّس بحذر
على الصعيد الاقتصادي، انعكست أجواء التفاؤل الحذر على أسواق الطاقة، إذ تراجعت أسعار النفط نسبيًّا بعد أشهر من الاشتعال، وسجّلت أسواق المال الأمريكية ارتفاعات مدفوعةً بتراجع مخاوف التضخّم. لكنّ هذا الانفراج هشّ بطبيعته: فمجرّد تعثّر المفاوضات أو انهيار “الإطار” المُعلَن كفيل بإعادة الأسعار إلى الصعود، ما دام المضيق لم يُفتَح فعليًّا أمام الملاحة. فالأسواق، كما السياسة، ما زالت تتحرّك على أرضٍ غير مستقرّة.
خلاصة: مشهد مفتوح لا نتيجة محسومة
المؤكّد أنّ ثمّة حراكًا دبلوماسيًّا حقيقيًّا يجري خلف الكواليس، وأنّ إشارات التهدئة أقوى ممّا كانت عليه قبل أسابيع. لكنّ المؤكّد أيضًا أنّ الطريق إلى اتفاقٍ فعليّ ما زال طويلًا وشائكًا، وأنّ ما يُعلَن اليوم قد يتبدّل غدًا. فلا اتفاق وُقّع، ولا تفاصيل كُشفت، ولا مصير للعقوبات والحصار حُسم. وفي انتظار أن تتّضح الصورة، يبقى الأحرى بنا أن نتابع بعينٍ يقظة، وأن نميّز دائمًا بين ما يُقال وما يُوقَّع.
