بقلم: نجار حسن 27 أغسطس 2026
في الجزائر طبقتان من الطفولة لا تسكنان التقويم نفسه. أبناء الشانغريحة، وأبناء تبون، وأبناء الجنرالات والأثرياء، يُبعثون إلى أرقى المؤسسات داخل البلاد أو إلى مدارس أوروبا وأمريكا، حيث يبدأ العام في موعده ويُشترى الانضباط بالمال. أما أبناء الشعب فيُحرَمون من دخول مدرسي عادي مع مطلع سبتمبر، ويُترَكون فريسة للشارع وما فيه من مؤثرات عقلية ومن انحلال يومي بلا رقيب. الأولياء العاملون لا يملكون ترف البقاء في البيت لحراسة الصغار أشهراً إضافية، والدولة التي يُفترض أن تكون الحاضنة الاجتماعية الأولى تتخلى عن دورها: تطيل الفراغ على من لا سند له، وتؤجّل المدرسة عن من لا مدرسة له غيرها.
ليس الخلاف على يوم أو أسبوع. الخلاف على معنى الزمن في حياة الطفل.
في معظم الأنظمة التعليمية، من أوروبا إلى شرق آسيا مروراً بجزء واسع من العالم العربي، يُفتتح العام الدراسي مع مطلع سبتمبر، فيقترن الدخول المدرسي بالدخول الاجتماعي: تعود الإدارة، يعود العمل، ويعود الإيقاع العام للبلاد. أما في الجزائر، فقد استقر الموعد، مرة بعد مرة، عند الحادي والعشرين من سبتمبر. في موسم 2026-2027 أُعلن دخول التلاميذ أولاً في السادس منه، ثم عُدّل بتعليمات رئاسية إلى الإثنين 21 سبتمبر. وقبل ذلك كان 21 سبتمبر 2025، وقبل ذلك 22 سبتمبر 2024. حين يتكرر التاريخ نفسه، لم يعد الأمر ظرفاً عابراً؛ صار عادة في عهد الرئيس عبد المجيد تبون.
المدرسة مؤسسة… لا محطة صيفية مؤجلة
المدرسة ليست قاعة دروس تُفتح وتُغلق حسب الحرارة أو الموسم السياحي. هي مؤسسة تنشئة: تضبط الوقت، تفرض الحضور، تعلّم الانتظار والانضباط، وتضع الطفل يومياً في علاقة مع القانون الصغير للجماعة. حين تُمدَّد العطلة إلى أربعة أشهر أو أكثر — من انتهاء الاختبارات في مايو حتى أواخر سبتمبر — لا يحصل التلميذ على «راحة إضافية» بقدر ما يُقطع عن المؤسسة التي يُفترض أن تربطه بالمجتمع.
خارج المدرسة، المراجعة عند أغلب الأسر ليست بديلاً حقيقياً. لا إطار، لا أستاذ، لا زملاء، ولا واجب يومي. من يملك مالاً يشتري دروساً خصوصية. ومن لا يملكه ينتظر. في الأسابيع الأولى بعد العودة لا يبدأ التحصيل من حيث توقف، بل من محاولة استعادة عادة الجلوس والإنصات. الزمن الضائع لا يُعوَّض ببيان وزاري.
فراغ طويل في بيئة مثقلة
البيئة الاجتماعية التي يُلقى فيها المراهق الجزائري أربعة أشهر بلا إطار ليست بيئة محايدة. المؤثرات العقلية لم تعد هامشاً أمنياً بعيداً عن الأحياء؛ صارت قلقاً معلناً حتى داخل المؤسسات التربوية. والهجرة غير النظامية — «الحرقة» — ليست قراراً يُتخذ في يوم واحد؛ هي مسار يتكوّن في الملل، وفي غياب الأفق، وفي ضعف المؤسسات التي تمسك اليومية.
لا يقول عاقل إن تأجيل الدخول «يُنتج» المخدرات أو القوارب. يقول إن مؤسسة الوقاية الأولى — المدرسة اليومية — تُغيَّب أطول مما ينبغي، في مجتمع يحتاج إليها أكثر مما يحتاج إلى أسبوعين إضافيين على الشاطئ. الدولة التي تحذّر في الخريف من الآفات، ثم تطيل غياب الحصن التربوي في الصيف، تناقض نفسها.
الانعكاس النفسي ليس أقل خطورة. الإيقاع المنتظم يبني القدرة على التركيز وضبط الانفعال. الانقطاع المديد يرخّي العادة، يمدّد السهر والشاشات، ويصعّب العودة. الطفل لا «ينسى المقرر» فقط؛ ينسى كيف يكون تلميذاً. والمراهق الذي اعتاد الشارع أربعة أشهر لا يعود إلى القسم كما خرج منه.
مبررات لا تصمد أمام بدائل أوضح
الحرّ في الجنوب حقيقي، وصحة التلميذ ليست شعاراً. لكن الحرارة لا تبرر رزنامة واحدة لكل الوطن. الحل المنطقي تعديل ساعات الدراسة في الولايات الحارة: صباح مبكر، ثم حصص مسائية بعد الرابعة عصراً، حيث تنخفض الذروة في غياب التكييف الكافي. أما ربط الدخول بتمديد الموسم السياحي أو بضغط الكهرباء، فهو تقديم مصلحة ظرفية على حق جيل في زمن تعلّم منتظم.
المقارنة الدولية ليست ترفاً. أنظمة كثيرة تبدأ في الأول من سبتمبر أو حوله، وتُبقي العطلة الصيفية في حدود معقولة كي لا ينهار التحصيل. الجزائر تسير عكس هذا الاتجاه: أسابيع دراسية أقل من المعدلات المعتمدة عالمياً، وعطل أطول، ثم دهشة متكررة من ضعف المردود ومن هشاشة السلوك.
من يقرر زمن الطفولة؟
البيان الرسمي نسب التعديل إلى تعليمات رئيس الجمهورية. المسؤولية إذن سياسية، لا تقنية. نقد الرزنامة ليس خصومة شخصية؛ هو سؤال عن أولوية الدولة: هل زمن الطفل تابع للسياحة والمناخ والانطباع العام، أم أن التقويم المدرسي سيادة تربوية لا تُمسّ إلا لسبب بيداغوجي قاهر؟
يمكن أن تختلف التقديرات حول النوايا. لا يمكن الاختلاف كثيراً حول النتيجة: دخول متأخر صار عادة، عطلة مملة تطول حتى تفقد معناها كراحة، ومدرسة تُستدعى بعد أن يكون الشارع قد أخذ حصته. إن كانت الغاية حماية التلميذ من الحر، فلتُعدَّل الساعات حيث يلزم. وإن كانت الغاية حماية الجيل من الفراغ، فلا مكان لتأجيل الحادي والعشرين أن يتحول إلى تقليد.

