بقلم: نجار حسين
تكاد لا تخلو نشرة إخبارية عربية واحدة هذه الأيام من عبارة تتكرر بصيغ مختلفة: “الانتخابات النصفية الأمريكية ستحدد مصير الحرب ضد إيران”. على الفضائيات الكبرى، من الجزيرة إلى العربية، يُقدَّم الثالث من نوفمبر وكأنه موعد حاسم — إما أن يفوز الديمقراطيون وتتوقف الحرب، أو يحافظ الجمهوريون على السيطرة وتستمر. هذه الصورة مبسّطة إلى حد التضليل. فوز الحزب الديمقراطي بأغلبية في مجلس النواب — وهو السيناريو الأقرب بحسب استطلاعات الرأي الحالية — لا يعني، ولا يمكن أن يعني بحكم الدستور الأمريكي نفسه، نهاية فورية للحرب ضد إيران إن قرر الرئيس الاستمرار فيها. هذا المقال يشرح لماذا، بالعودة أولًا إلى الأساسيات التي يفترض أغلب المتابعين أنهم يعرفونها، بينما هم في الحقيقة لا يعرفونها.
لماذا “نصفية” أصلًا؟
الخطأ الشائع الأول هو الظن بأن الانتخابات النصفية تعني أن نصف مقاعد مجلس النواب فقط يُعاد التصويت عليها. هذا غير صحيح إطلاقًا. عضو مجلس النواب الأمريكي يُنتخب لولاية مدتها سنتان فقط — لا أربع سنوات كالرئيس، ولا حتى قريبة من ذلك. ولأن كل مقعد من المقاعد الـ435 ينتهي بعد سنتين بالضبط، فإن المجلس بأكمله يُعاد انتخابه دفعة واحدة، دون استثناء. كلمة “نصفية” لا تشير إذن إلى حجم التجديد، بل إلى موقعه الزمني: بما أن الرئيس يُنتخب لأربع سنوات، فإن كل رئيس يمرّ خلال ولايته بانتخابين تشريعيين — الأول يوم انتخابه هو نفسه، والثاني بعد سنتين بالضبط، أي في منتصف ولايته الرئاسية تمامًا، دون أن يكون اسمه على ورقة الاقتراع. هذا الانتخاب الثاني هو ما يُسمّى “نصفيًا” — لأنه يقع في منتصف الطريق بين تنصيب الرئيس ونهاية ولايته، لا لأن نصف المجلس فقط يتجدد فيه.
الكونغرس: غرفتان، لا غرفة واحدة
كلمة “الكونغرس” التي تتردد في التغطية الإخبارية ليست اسمًا لهيئة واحدة، بل هي الاسم الجامع لمجلسين منفصلين تمامًا: مجلس النواب ومجلس الشيوخ. ولكل منهما صلاحيات حصرية لا يشاركه فيها الآخر. مجلس النواب وحده يملك حق اقتراح قوانين الإنفاق والضرائب ابتداءً — وهو ما يمنحه اليد الأقوى في كل ما يتعلق بتمويل أي عملية عسكرية — كما يملك وحده صلاحية توجيه اتهام العزل ضد الرئيس. أما مجلس الشيوخ فيملك وحده صلاحية التصديق على المعاهدات الدولية وعلى كبار التعيينات في الإدارة والجيش والدبلوماسية. أي قانون، مع ذلك، يجب أن يمرّ عبر المجلسين معًا بالصيغة نفسها قبل أن يصل إلى مكتب الرئيس — وهذا التفاصيل الدقيقة هي التي تحدد لاحقًا ما الذي يستطيع كل مجلس فعله على حدة، وما الذي يحتاج توافق الاثنين معًا.
ما الذي يُحسم فعليًا يوم 3 نوفمبر
في هذه الدورة، يُعاد انتخاب مجلس النواب بأكمله — 435 مقعدًا — بينما يُعاد التصويت على نحو ثلث مقاعد مجلس الشيوخ فقط، أي ما بين 33 و35 مقعدًا بحسب الولايات المعنية هذه الدورة تحديدًا. هذا الفارق في الحجم يفسّر لماذا يسهل نسبيًا أن ينقلب مجلس النواب بأكمله في دورة واحدة إذا تحرك المزاج العام بضع نقاط، بينما يصعب الأمر ذاته في مجلس الشيوخ، الذي يبقى ثلثاه بمنأى عن التصويت هذه المرة. يملك الجمهوريون حاليًا في مجلس النواب أغلبية ضئيلة جدًا — لا تتجاوز بضعة مقاعد — وهو ما يجعل حتى تحول محدود في نية التصويت كافيًا لقلب المجلس. أما في مجلس الشيوخ، فالمعركة أضيق وأكثر التصاقًا بولايات بعينها من بين تلك المطروحة هذه الدورة، أبرزها جورجيا وكارولاينا الشمالية ومين، إلى جانب عدد من الولايات الأقل بروزًا إعلاميًا لكنها حاسمة في الحساب النهائي لمن سيملك الأغلبية.
لماذا لا يعني فوز الديمقراطيين نهاية الحرب
هنا يكمن التصحيح الجوهري الذي يستحق هذا المقال بأكمله. حتى لو فاز الحزب الديمقراطي بأغلبية كاملة في المجلسين معًا، فإنه لا يملك سلطة دستورية لإصدار أمر مباشر بإيقاف عملية عسكرية إن أصرّ الرئيس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، على الاستمرار فيها. هذه الصلاحية ببساطة لا توجد في يد الكونغرس بهذا الشكل المباشر. ما يملكه الكونغرس، بدلًا من ذلك، هو مجموعة أدوات تعطيل وضغط — قانونية وتشريعية بحتة، لا عسكرية ولا تنفيذية:
أغلبية في مجلس النواب تعني رئاسة اللجان الرقابية — لجان الاستخبارات والشؤون الخارجية والقوات المسلحة — وهذه اللجان تملك صلاحية استدعاء مسؤولي الإدارة تحت القسم وإجبارهم على تسليم وثائق داخلية. كما يملك مجلس النواب، بحكم سيطرته على قوانين الإنفاق، إمكانية تقييد أو رفض تخصيص أموال إضافية لعمليات بعينها، أو إرفاق شروط بأي تمويل يُقر — وهو ضغط مالي تراكمي، لا إيقاف فوري. أما قانون سلطات الحرب لعام 1973 فيتيح للمجلسين معًا، بأغلبية بسيطة، إصدار قرار يُلزم الرئيس نظريًا بسحب القوات من عملية لم يوافق عليها الكونغرس رسميًا — لكن هذا القرار يصطدم بحق الرئيس في النقض، ولتجاوزه يحتاج الكونغرس أغلبية الثلثين في المجلسين معًا، وهو سقف بعيد المنال حتى في أفضل الظروف الديمقراطية. وأخيرًا، يملك مجلس الشيوخ وحده سلطة إبطاء أو تعطيل تعيينات حساسة في وزارة الدفاع والقيادة العسكرية، وهو ما يربك قدرة الإدارة على إدارة ملف الحرب بالسلاسة التي تريدها، دون أن يوقفها.
هذه الأدوات مجتمعة قادرة على تعطيل الحرب، وإبطائها، وإحراج القائمين عليها سياسيًا وإعلاميًا، وربما تقييدها ماليًا بمرور الوقت. لكنها لا تساوي زر إيقاف مباشرًا. الفارق بين “التعطيل” و”الإنهاء” هو بالضبط ما تغفله التغطية الإخبارية العربية حين تختزل نوفمبر إلى استفتاء بنعم أو لا على مصير الحرب.
