الدخول المدرسي في الجزائر: أسبوعان إضافيان من العطلة، ومَن يدفع ثمنها؟
خمسة عشر يوماً إضافياً خارج القسم.
في بيانٍ مقتضبٍ صدر يوم السبت عن مصالح الوزير الأول، وعملاً بتعليمات رئيس الجمهورية، تقرّر تعديل رزنامة الدخول المدرسي للسنة الدراسية 2026-2027: التحاق الموظفين الإداريين يوم السادس من سبتمبر، ودخول الأساتذة يوم الثالث عشر منه، على أن يعود التلاميذ إلى مقاعدهم يوم الإثنين الحادي والعشرين. وبذلك يُزاح موعد عودة التلاميذ خمسة عشر يوماً كاملةً عن التاريخ الذي كانت وزارة التربية الوطنية قد أعلنته في الثلاثين من جويلية الماضي.
وللقرار ما يبرّره ظاهرياً. فقد سبقته مناشداتٌ من نوّابٍ في المجلس الشعبي الوطني دعوا إلى إعادة النظر في الموعد بالنظر إلى موجات الحرّ القياسية التي تضرب ولايات الجنوب، وما يترتّب عليها من ضغطٍ على استهلاك الطاقة داخل المؤسسات التربوية. ومن يعرف ما تبلغه درجات الحرارة في أدرار أو تمنراست مع مطلع سبتمبر يدرك أنّ هذا الانشغال ليس ترفاً، وأنّ إجلاس طفلٍ في قسمٍ غير مكيَّف تحت خمسٍ وأربعين درجة ليس تعليماً بأيّ معنىً من المعاني.
غير أنّ مشروعية الدافع لا تُعفي القرار من المساءلة. فالرزنامة المدرسية ليست جدولاً إدارياً محايداً؛ إنّها وثيقةٌ سياسية تُفصح، بلغة التواريخ، عن موقع المدرسة في سلّم أولويات الدولة. والسؤال الجدير بالطرح ليس: هل الحرّ حقيقي؟ بل: لماذا كان التأجيل هو الجواب الوحيد المطروح، وما الذي رافقه من تدابير، ومَن يتحمّل كلفته في نهاية المطاف؟
ما يقوله البحث عن الغياب الطويل
انشغل البحث التربوي بمسألة العطلة الصيفية منذ مطلع القرن الماضي، وتراكمت حولها أدبيات واسعة تُعرف بـ«فقدان التعلّم الصيفي». وخلاصتها العامة أنّ التلميذ يخسر، في المتوسّط، ما يعادل شهراً من التحصيل خلال الانقطاع الصيفي، وأنّ الخسارة تكون أشدّ في الرياضيات منها في القراءة، لأنّ المهارات الحسابية إجرائية بطبيعتها وتضمُر بسرعة إن لم تُمارَس.
لكنّ الرقم الأهمّ ليس المتوسّط، بل تَوزُّعه. فقد وثّقت دراسة بالتيمور الشهيرة، التي تابعها عالِما الاجتماع كارل ألكسندر ودوريس إنتوايزل في جامعة جونز هوبكنز على مدى سنوات، ملاحظةً تقلب الحدس السائد: أطفال الأسر الميسورة وأطفال الأسر الفقيرة يتقدّمون بوتيرة متقاربة أثناء السنة الدراسية. الفارق بينهم لا يتراكم داخل القسم، بل خارجه. أي أنّ الفجوة الطبقية في التحصيل تتّسع أساساً في الأشهر التي تكون فيها المدرسة مغلقة.
والآلية بسيطة إلى حدّ القسوة: حين تُقفل المدرسة أبوابها، لا يدخل التلاميذ جميعاً الفراغ نفسه. فمنهم من ينتقل إلى فراغٍ مؤثَّث — كتبٌ في البيت، دروسٌ خصوصية، نوادٍ صيفية، سفر، والدان متعلّمان يملكان الوقت والقدرة على المتابعة. ومنهم من ينتقل إلى فراغٍ عارٍ — سكنٌ ضيّق يتقاسمه إخوة كثر، لا كتاب ولا فضاء للمطالعة، أمّ منهكة أو أبٌ يغيب في عملٍ موسمي، وربّما عملٌ موسميّ للطفل نفسه. الأوّل يخرج من الصيف وقد حافظ على مستواه أو زاد عليه؛ الثاني يخرج منه وقد تراجع. وحين يلتقيان في القسم ذاته يوم الحادي والعشرين من سبتمبر، تكون المسافة بينهما قد اتّسعت من دون أن يرتكب أيٌّ منهما خطأً.
ومن الأمانة القول إنّ هذه الأدبيات تعرّضت في السنوات الأخيرة لمراجعاتٍ منهجية جادّة؛ إذ نبّه باحثون إلى أنّ جزءاً من النتائج الكلاسيكية يصعب تكراره، وأنّ بعض الفوارق المرصودة قد تعود إلى خصائص أدوات القياس نفسها لا إلى الواقع. غير أنّ هذه المراجعات تُهذّب الاستنتاج ولا تنسفه: تبقى المدرسة، في جوهرها، أهمّ آلية معادِلة تملكها الدولة، ويبقى إغلاقها فعلاً غير محايد اجتماعياً.
درسٌ من الخارج، لكن ليس الدرس المتوقَّع
يُقارَن الدخول المدرسي الجزائري عادةً بنظيره الفرنسي، وتُساق المقارنة عادةً في اتجاه واحد: هناك انضباط، وهنا تسيُّب. والواقع أكثر دقّة من ذلك، وأشدّ فائدة.
صحيحٌ أنّ التلاميذ في فرنسا يعودون إلى أقسامهم يوم الأوّل من سبتمبر 2026، ويسبقهم الأساتذة بيومٍ واحد. لكنّ الدرس الحقيقي ليس في التاريخ، بل في تاريخ إعلانه: فقد ضُبط هذا الموعد بقرارٍ وزاري صدر في الثاني والعشرين من أكتوبر 2025 — أي قبل عشرة أشهر كاملة. أسرةٌ تخطّط لعطلتها، وناشرٌ يجدول طبعاته، وبلديةٌ تبرمج نقلها المدرسي ومطاعمها، كلّهم يشتغلون على تاريخٍ لا يتزحزح.
بل إنّ المفارقة أبعد من ذلك. فبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تضع فرنسا في ذيل ترتيب الدول من حيث عدد أيام الدراسة السنوية — نحو مئة واثنين وستين يوماً، وهو الأدنى في المنظمة، مقابل متوسّطٍ يناهز مئة وستة وثمانين يوماً، وأكثر من مئتي يوم في اليابان وإسرائيل. فرنسا إذن ليست نموذجاً لـ«كثرة الأيام»؛ هي تكثّف ساعاتٍ أطول في أيامٍ أقلّ. كما أنّ العطل الصيفية الطويلة ليست شذوذاً في ذاتها: تبلغ نحو ستة أسابيع في ألمانيا وهولندا واليابان، وتصل إلى ثلاثة عشر أسبوعاً في إيطاليا ولاتفيا وتركيا.
وهنا بيت القصيد. المشكلة ليست في طول العطلة بوصفه رقماً، بل في اقتران الطول بغياب ما يملأه. إيطاليا تمنح ثلاثة عشر أسبوعاً، لكنّها لا تمنحها في فراغ مؤسّسي. أمّا حين تُمدَّد عطلةٌ تقارب ثلاثة أشهر، من دون برامج صيفية مهيكلة، ومن دون مكتبات عمومية فاعلة في الأحياء الشعبية، ومن دون آليةٍ معلَنة لتعويض الأيام الضائعة — فإنّ التمديد لا يكون راحةً موزَّعة بالعدل، بل امتيازاً يُستثمَر جيّداً عند فئة، وانقطاعاً يُدفَع ثمنه عند فئة أخرى.
السؤال المعلَّق: وماذا بعد؟
خمسة عشر يوماً تعني، عملياً، ما يقارب ثلاثة أسابيع دراسية. وهو رقمٌ ليس هامشياً في سنةٍ تنتهي بامتحاناتٍ مصيرية لا يبدو أنّ رزنامتها ستتزحزح.
والبيان الحكومي، على وجازته، صمت عن السؤال الذي كان ينبغي أن يكون في صدارته: كيف ستُعوَّض هذه الأيام؟ هل ستُمدَّد السنة الدراسية من طرفها الآخر؟ هل ستُقلَّص عطل الشتاء والربيع؟ هل ستُخفَّف البرامج بما يتناسب مع الحجم الساعي الجديد؟ أم سيُترك الأمر للأساتذة كي يُسرعوا الوتيرة في أقسامٍ مكتظّة، فيتحوّل التأجيل إلى ضغطٍ إضافي يتحمّله التلميذ الأضعف قبل غيره؟
كما أنّ الحجّة المناخية نفسها، على وجاهتها، تطرح سؤالاً عن مدى ملاءمة الحلّ لها. فالحرّ المُحتجّ به ظاهرة جنوبية بالأساس؛ لا تعيش تيزي وزو ولا سكيكدة ولا تلمسان ما تعيشه إليزي في سبتمبر. وقد اعتمدت أنظمةٌ تربوية كثيرة مبدأ الرزنامة المتمايزة جهوياً — وفرنسا ذاتها تقسّم عطلها إلى ثلاث مناطق، وتعتمد تواريخ مغايرة لأقاليمها البعيدة. أمّا الحلول البنيوية فمعروفة ولا تحتاج ابتكاراً: تكييف المؤسسات في الولايات الحارّة، وتوقيتٌ يومي مُعدَّل ينتهي قبل ذروة الحرارة، وبرامج صيفية موجَّهة لأبناء الأسر المعوزة. وكلّها أكلف من قرارٍ يُتَّخذ ببيان، لكنّها وحدها تعالج السبب بدل تأجيل مواجهته.
خاتمة
قد يكون تأجيل الدخول المدرسي قراراً دفاعياً مفهوماً في مواجهة صيفٍ استثنائي. لكنّ ما يحيط به — قرارٌ يصدر قبل أربعة أسابيع من موعده، من دون خطة تعويض، ومن دون تمييزٍ بين ولايةٍ وأخرى، ومن دون كلمةٍ واحدة عن الأطفال الذين لا يملك ذووهم ما يملأون به الأسابيع الإضافية — هو ما يستحقّ النقاش.
فالمدرسة، في بلدٍ لا تزال فيه أداةَ الارتقاء الاجتماعي الأولى، ليست مرفقاً يُفتح ويُغلق حسب الظروف. وقياس جدّية أيّ نظام تربوي لا يكون بالتاريخ الذي يفتح فيه أبوابه، بل بقدرته على ضمان أنّ إغلاقها لا يكلّف الجميع الثمن نفسه.

