26 أغسطس 2026
منذ أشهر، تدور الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران في دائرة غريبة: ضربات ثم توقف، تهديدات ثم وساطات، مذكرة تفاهم ثم انهيارها. اليوم، مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر، يبدو أن واشنطن اختارت عمداً أن تبعد صورة الحرب عن الشاشات الأمريكية، ولو مؤقتاً، وأن تبحث عن اتفاق عبر وسطاء عرب وآسيويين، وفي مقدمتهم قطر وباكستان.
القرار ليس عطفاً على طهران، ولا تراجعاً عن الأهداف المعلنة. هو حساب سياسي داخلي بامتياز.
لماذا التأجيل الآن؟
الرئيس دونالد ترامب يواجه واقعاً انتخابياً قاسياً. الحرب التي بدأت في أواخر فبراير 2026، وأدت إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، لم تحقق حتى الآن «النصر النظيف» الذي وعدت به الإدارة. أسعار الطاقة ارتفعت، والموافقة على أداء الرئيس انخفضت إلى مستويات متدنية، والجمهوريون في الكونغرس يخشون أن يدفعوا ثمن حرب غير شعبية في صناديق الاقتراع.
في مثل هذا المناخ، يصبح استمرار الضربات الواسعة خطراً سياسياً مباشراً. كل صاروخ جديد، وكل قاعدة أمريكية تُستهدف في الخليج، وكل ارتفاع في أسعار البنزين، يتحول إلى مادة انتخابية بيد الخصوم. لذلك يبدو أن الإدارة اختارت مرحلة «التهدئة المدارة»: وقف أو تقليص الضربات الكبرى، والتحول نحو الضغط الاقتصادي الشديد، وفتح قنوات دبلوماسية عبر وسطاء يُعتبرون مقبولين لدى الطرفين.
قطر وباكستان ليسا اختياراً عشوائياً. الأولى لعبت دوراً تاريخياً في الوساطة مع إيران، والثانية توسطت في مذكرة إسلام آباد في يونيو الماضي التي أوقفت القتال مؤقتاً وفتحت نافذة ستين يوماً للمفاوضات. اليوم تعود الزيارات والتصالات: قائد الجيش الباكستاني في طهران، ووزراء الخارجية يتبادلون الرسائل، وعُمان تحاول ترتيب ترتيبات للملاحة في مضيق هرمز. الرسالة الأمريكية واضحة: نبحث عن اتفاق، أو على الأقل عن هدنة تُبقي الحرب بعيدة عن عناوين الأخبار الأمريكية حتى تمر الانتخابات.
الأهداف لم تتغير
لكن من يظن أن التهدئة تعني تغييراً في المطالب الأمريكية يخطئ القراءة. المطالب الجوهرية بقيت كما هي منذ اليوم الأول: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تفكيك أو تحييد المنشآت النووية الحساسة، وإخراج اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد – ويفضّل أن يكون الوجهة الولايات المتحدة أو جهة تخضع لرقابة صارمة.
هذه المطالب لم تُسحب من الطاولة. ما تغير هو التوقيت والأداة. بدل القصف المكثف الذي يرفع أسعار النفط ويغضب الناخب الأمريكي، تلجأ الإدارة إلى «العزل الاقتصادي» والعقوبات الثانوية والحصار البحري والوساطة. الهدف واحد: إجبار طهران على القبول بشروط تُفرغ برنامجها النووي من مضمونه الاستراتيجي.
ماذا بعد نوفمبر؟
هنا يكمن الجوهر. إذا نجح الجمهوريون في الحفاظ على أغلبيتهم أو على نفوذ كافٍ في الكونغرس، فإن هامش المناورة أمام ترامب سيتسع. لن يعود مضطراً إلى حساب كل ضربة بميزان الأصوات في الولايات المتأرجحة. عندها يصبح استئناف الضغط العسكري خياراً واقعياً، خاصة إذا رأت الإدارة أن المفاوضات لم تُنتج التنازلات المطلوبة.
بعبارة أخرى: الهدنة الحالية ليست نهاية الحرب، بل استراحة انتخابية. المطالب الأمريكية لم تتراجع، والضغط الاقتصادي مستمر، والوساطات تُستخدم لشراء الوقت أكثر مما تُستخدم لحل النزاع جذرياً. إيران تعرف ذلك، ولهذا تتمسك بخطوط حمراء حول السيادة على مضيق هرمز وبرنامجها النووي، وترفض أن تبدو الطرف الذي يُذلّ في اتفاق يُفرض تحت نار العقوبات والتهديدات.
حسابات الرأي العام
ما يفعله البيت الأبيض الآن هو محاولة فصل صورة الحرب عن صناديق الاقتراع. الناخب الأمريكي يرى أسعار الوقود ويرى الجنود العائدين، ولا يريد حرباً مفتوحة في الخليج قبل أسابيع من التصويت. لذا تُدار الأزمة بطريقة تجعلها تبدو «تحت السيطرة»: مفاوضات، وسطاء، عقوبات بدل القصف اليومي.
لكن السيطرة الوهمية لا تلغي الحقيقة الاستراتيجية. الصراع على البرنامج النووي الإيراني لم يُحسم، ومضيق هرمز ما زال ورقة ضغط، والمنطقة تدفع ثمن التوتر المستمر. وما دام المطلب الأمريكي الأساسي – نزع القدرة النووية الإيرانية وإخراج المواد المخصبة – قائماً دون تنازل جوهري من طهران، فإن احتمال عودة الضربات بعد نوفمبر يظل احتمالاً قوياً، لا مجرد تخمين.
الحرب لم تنتهِ. هي فقط تنتظر نتيجة الانتخابات الأمريكية لتقرر هل تستأنف بصوت عالٍ، أم تبقى تحت غطاء الدبلوماسية والعقوبات.

