بقلم نجار حسين — الأربعاء ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
في مدينةٍ تُنشر فيها إعلانات اختيار العارضات بالعشرات كل أسبوع، لا يقرأ هذه الإعلانات أحد سوى الباحثات عن عمل. نصّ قصير، شروط، مواعيد تصوير، رقم للتواصل، ثم يبتلعه السيل. غير أن واحداً منها، نُشر قبل أيام من يوم المرأة الإماراتية، لم يمرّ.
صاحبته شابة فلسطينية مقيمة في الدولة، تعمل مديرة اختيار ممثلين بصفة مستقلّة، وكانت تبحث عن وجوه لمشروع تصوير يحتفي بالمناسبة الوطنية. أما الجملة التي أوقعتها فكانت هذه: لقلّة «الأشكال الطبيعية» بين الإماراتيات — مع ما يشبه الاتهام بأن أكثرهنّ خضعن لعمليات تجميل — يُفتح الباب أمام خليجيات وعربيات أخريات، بشرط أن يشبهن الإماراتيات ويُتقنّ لهجتهنّ.
قرأ الناس الجملة مرتين. في المرة الأولى بدت حكماً فجّاً على وجوه النساء، وهذا وحده كافٍ للغضب. لكن القراءة الثانية كشفت ما هو أثقل: إذا كان بوسع غير الإماراتية أن ترتدي العباية، وتتقن اللهجة، وتؤدي الدور في اليوم المخصّص للإماراتيات، فما الذي يتبقّى من الإماراتية سوى مواصفةٍ تُشترى؟
لم تمضِ ساعات حتى كان المنشور قد خرج من دوائر المهنة إلى الفضاء العام. عشرات آلاف التغريدات، ووسوم تصدّرت المنصات في الإمارات، ورسائل علنية إلى شركات ومؤسسات سبق أن تعاملت مع وكالتها تطالبها بموقف. كتبت طبيبة إماراتية أن بنات بلدها لا يحتجن شهادة من أحد على جمالهنّ، وأن ما تظنّه صاحبة الإعلان صناعةً هو ملامح خلقها الله. وفي خضمّ ذلك، أغلقت صاحبة المنشور جميع حساباتها واختفت.
ثم تحدّثت الدولة.
في العشرين من أغسطس، أعلنت الهيئة الوطنية للإعلام أنها اتخذت إجراءات قانونية بحق المقيمة، لمخالفتها معايير المحتوى الواردة في قانون تنظيم الإعلام ولائحته التنفيذية، وأنها علّقت تصريح المُعلن الصادر لها ثلاثة أشهر. وقالت إنها لن تتهاون مع أي محتوى يسيء إلى المرأة الإماراتية أو ينتقص من مكانتها وإسهاماتها الوطنية.
يومٌ لا يُخطئه أحد
لو نُشر الإعلان نفسه في شهر آخر، لربما مرّ بجدلٍ محدود. لكنه سقط في أسوأ توقيت ممكن.
يوم المرأة الإماراتية يحلّ في الثامن والعشرين من أغسطس، وهو هذا العام في نسخته الحادية عشرة، تحت شعار اختارته الشيخة فاطمة بنت مبارك: «بنظهر الأقوى والأفضل». وللمرة الأولى لا يُختصر الاحتفاء في يوم واحد، بل يمتدّ شهراً كاملاً حتى الثامن والعشرين من سبتمبر. أن يصدر حكمٌ على ملامح الإماراتيات داخل إنتاجٍ مخصّص للاحتفاء بهنّ، هو أن ترتدّ المناسبة على نفسها.
ثم هناك ما هو أعمق من التقويم. تجاوز عدد سكان الإمارات أحد عشر مليوناً وثلاثمئة ألف نسمة بنهاية ٢٠٢٤. ولا تنشر الدولة تفصيلاً رسمياً حديثاً لنسبة المواطنين، لكن التقديرات المتداولة تضعها في حدود العُشر. أي أن أهل البلاد أقلية عددية في بلادهم، محاطون بمئتي جنسية.
في وضعٍ كهذا، لا يكون السؤال عن «من يظهر في الصورة» سؤالاً تسويقياً. إنه سؤال عن البقاء الرمزي. من يعيش أقلية في بيته يصبح شديد الحساسية تجاه من ينوب عنه في تمثيل نفسه. الحساسية هنا ليست مبالغة عاطفية؛ إنها نتيجة حسابية.
ما قالته الجملة دون أن تقصد
وهنا يكمن ما غاب عن معظم التغطيات: الإعلان لم يخترع شيئاً. إنه فقط قال بصوت مرتفع ما تفعله الصناعة في صمت منذ سنوات.
اسأل أيّ عاملٍ في الإنتاج التجاري في دبي أو أبوظبي، وسيخبرك بالأمر باعتباره تفصيلاً مملاً من تفاصيل المهنة: كثير من مشاهد «الأسرة الإماراتية» و«الشاب الإماراتي» و«المعلّمة الإماراتية» تُصوَّر بوجوهٍ غير إماراتية، تُلبَس الكندورة والعباية، وتُدرَّب على اللهجة قبل التصوير بساعات. لا أحد يكتب هذا في بيان. يجري في غرف الكاستينغ، بلا توثيق، ويُدفع أجره ويُنسى.
الفارق الوحيد أن صاحبة الإعلان كتبته. نقلت الممارسة من الظلّ إلى المنشور العلني، وأرفقتها بتبرير جماليّ مهين، فانفجرت في وجهها.
لذلك فإن الغضب الذي انصبّ على امرأة واحدة كان في جوهره غضباً على منظومة كاملة. والمفارقة أن المنظومة ليست صنيعة المقيمين وحدهم: حين تريد علامةٌ تجارية وجوهاً إماراتية لمناسبة وطنية ولا تجد قاعدة مواهب مبنيّة، ولا عقوداً لائقة، ولا بيئة عمل تحترم الخصوصية الاجتماعية للعائلات، فإن الحلّ الأرخص يفرض نفسه: استئجار المظهر. تعهيد الجنسية هو العَرَض. أما المرض فهو أن أحداً لم يستثمر جدّياً في البديل.
ورقةٌ أثقل من حكم
في اللحظة التي تحرّكت فيها الدولة، فعلت شيئاً يستحقّ التوقف عنده.
لم تذهب أولاً إلى النيابة العامة. ذهبت إلى الترخيص.
في الإمارات، لا يمارس أحد العمل الإعلاني بلا تصريح صادر عن المنظّم الإعلامي. وتعليق هذا التصريح إجراء إداري لا يحتاج قاضياً ولا جلسة ولا محامياً، وينفَّذ في يوم واحد، ويصيب مصدر الدخل مباشرة. بالنسبة لمن تعيش من مشروع إلى مشروع، ثلاثة أشهر بلا تصريح ليست عقوبة رمزية.
والأهم أن الرسالة لا تصل إلى شخص واحد، بل إلى السوق كلّه: العمل في هذا القطاع امتياز مشروط، لا حقّ مكتسب.
يبقى أن الترسانة القانونية أوسع من ذلك بكثير. فقانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية الصادر عام ٢٠٢١ يغطّي الإساءة والتشهير عبر المنصات، ويسري على المواطن والمقيم والزائر سواءً بسواء، وتصل عقوباته إلى الغرامة والحبس والإبعاد. وقد طالب جانب واسع من الحملة الرقمية بالإبعاد الفوري. لكن الإجراء المعلن اكتفى بالأداة الأخفّ. الفجوة بين سقف المطالبة الشعبية وسقف الرد الرسمي تستحق التسجيل، لا التجاهل.
حيث انزلقت الحملة
ثم جاء الجزء الذي لا يحبّ أحد الحديث عنه.
كلّما اتسعت الموجة، ابتعدت عن الجملة واقتربت من صاحبتها، ثم من جنسيتها، ثم من كلّ من يشبهها. صار الأمر عند بعضهم محاكمة لجماعة كاملة على منشور فرد. وهذا بالضبط ما لم تتبنّه أي جهة رسمية؛ بل إن البيان الحقوقي المرافق شدّد تحديداً على مكافحة الصور النمطية والتمييز، وعلى الخطاب المسؤول في الفضاء الرقمي.
بين محاسبة إنسانٍ على ما قال، وتحميل قومٍ بأسرهم وزره، خطٌّ رفيع. من يعبره دفاعاً عن كرامةٍ جُرحت، ينتهي به الأمر إلى إعادة إنتاج الإساءة نفسها بصيغة معكوسة.
وفي النهاية
جملة واحدة، في إعلان توظيف لا يقرأه أحد، أنتجت أسبوعاً من الغضب، وبياناً رسمياً، وتصريحاً معلّقاً ثلاثة أشهر، وحياة مهنية توقفت.
ليست الجملة استثنائية في قسوتها. ما جعلها تنفجر أنها لامست، في وقت واحد، يوماً وطنياً، وتركيبة سكانية مقلقة، وصناعةً تبيع الانتماء بالقطعة.
أما الدرس الأوضح فبسيط إلى حدّ القسوة: لم تحتج الدولة إلى قاعة محكمة لتوصل رسالتها. اكتفت بتعليق ورقة. وفي اقتصادٍ يقوم على التراخيص، تكون الورقة أحياناً أثقل من الحكم.

